قبل نحو سبعين عامًا، كان السؤال الأساسي: هل تستطيع الآلة أن تفكر؟ اليوم، أصبحت الآلات تكتب وتبرمج وتنجز العمل، مما يطرح تساؤلاً جوهرياً حول ما يفصلها عن الذكاء البشري العام. وفي هذا السياق، أعاد إطلاق شركة OpenAI لنموذج "GPT‑6 Astra"، في 3 أيلول 2026، هذا النقاش إلى واجهة الأحداث التقنية.

ويُعرف الذكاء الاصطناعي بأنه مجال يسعى لبناء أنظمة تؤدي مهام تتطلب عادةً قدرات ذهنية مثل التعلم والاستدلال وفهم اللغة. وقد مهّد آلان تورنغ لهذا النقاش في عام 1950، ليتلوه ظهور مصطلح "الذكاء الاصطناعي" في مقترح جون مكارثي وزملائه عام 1955 تمهيدًا لورشة "دارتموث" صيف 1956 التي شكلت العلامة التأسيسية للمجال.

في بدايات المجال، اعتمد اتجاه بارز على الأنظمة القائمة على القواعد حيث يكتب الإنسان تعليمات مباشرة من قبيل "إذا حدث كذا، افعل كذا". ومع أن هذه الطريقة تنجح في الحالات الواضحة، إلا أنها تتعثر أمام الاستثناءات. وفي المقابل، يستخرج التعلم الآلي الأنماط من أمثلة كثيرة، وتعود جذوره أيضًا إلى الخمسينيات، غير أن وفرة البيانات وقوة الحوسبة وتقدم الشبكات العصبية وسعت إمكاناته لتشكل أساس النماذج التوليدية الحديثة مثل ChatGPT.

وشهد المجال نقلة نوعية مع بنية "المحوّل" عام 2017 التي حسنت معالجة العلاقات بين أجزاء النص، حيث تدربت نماذج لغوية كبيرة مثل عائلة GPT على توقع الجزء التالي من النص واكتسبت بذلك أنماطًا لغوية ومعرفية واسعة قبل خضوعها لتدريب إضافي على اتباع التعليمات. ويُذكر أن ChatGPT، الذي أُطلق في 30 تشرين الثاني 2022 مستندًا إلى عائلة GPT‑3.5، لم يكن أول نموذج لغوي كبير -إذ سبقه GPT‑3 الذي نُشرت ورقته البحثية في 2020-، لكن أهميته تكمن في تقديمه هذه القدرات للجمهور عبر محادثات سهلة.

وتسارعت لاحقاً التحولات بتجاوز حدود تاريخ التدريب؛ فبدأت OpenAI تجربة التصفح داخل ChatGPT في 23 آذار 2023، ثم أطلقت "ChatGPT Search" في 31 تشرين الأول 2024 لاسترجاع معلومات الويب وصياغة إجابات مع روابط للمصادر. ويرتبط بذلك مبدأ RAG (التوليد المعزّز بالاسترجاع) الذي يتيح للنظام استرجاع مقاطع من مصادر خارجية دون إعادة تدريب النموذج.

وفي السنوات الأخيرة، برز مفهوم "الذكاء الاصطناعي القائم على الوكلاء" (Agentic AI) كامتداد لتطور الأنظمة القادرة على استخدام الأدوات والتفاعل مع بيئات خارجية؛ حيث يمكن للنظام التخطيط لسلسلة خطوات، واستخدام أدوات مختلفة، ومراجعة النتائج، وتكييف مساره لأتمتة المهام وتنفيذ خطوات عملية دون أن يعد ذلك دليلاً كافياً على بلوغ الذكاء الاصطناعي العام.

وفي مجال التوليد البصري، كان نموذج "DALL·E" من OpenAI، المُعلن عنه في بداية 2021، محطة مبكرة لتحويل النص إلى صور، بينما عرضت Meta مشروع "Make‑A‑Video" في أيلول 2022 لتحويل النص إلى مقاطع فيديو.

وعن سؤال بلوغ الذكاء الاصطناعي العام (AGI)، يشير الذكاء الضيق إلى اختصاص في نطاق محدود كالشطرنج، بينما يشير الذكاء العام إلى قدرات واسعة قابلة للانتقال بين مهام متنوعة لتضاهي الإنسان أو تتفوق عليه اقتصادياً. ومع إعلان OpenAI أن نموذج "أسترا" حقق 99.9% في اختبار ARC‑AGI‑3 وتقدّمه في البحث والبرمجة، تظل هذه نتائج لافتة لكنها لا تمنح وحدها شهادة بالذكاء العام، إذ يتطلب الحكم اختبارات مستقلة ومتنوعة واستقراراً للأداء خارج بيئات الاختبار، تماماً كما تحدث باحثون سابقاً عن "شرارات" ذكاء عام في GPT‑4.