ليس جديدًا أن تعتمد الولايات المتحدة و"إسرائيل" سياسة تقوم على فرض الوقائع بالقوة، ثم محاولة فرض التعامل معها لاحقًا على أنها معطيات سياسية وأمنية ثابتة ينبغي للطرف المقابل التسليم بها والانطلاق منها في تحديد مواقفه وخياراته. هذه المنهجية التي حضرت بقوة في التجربة الفلسطينية، حيث تحوّلت وقائع الاحتلال والاستيطان والسيطرة الميدانية تدريجيًا إلى عناصر يُراد إدراجها في أي تسوية لاحقة، يبدو أن هناك محاولة لاستنساخها في لبنان، وإن بأدوات وظروف مختلفة.

ضمن هذا السياق يمكن فهم اتهام الخارجية الأميركية حزب الله بأنه يرفض التحدث مع الأميركيين و"الإسرائيليين" والدولة اللبنانية، وربط هذا الموقف بما وصفته واشنطن بأنه التزام بقرار إيراني. فالمسألة، وفق هذا المنطق، لا تتعلق بمجرد الدعوة إلى الحوار، بل بالمرجعية السياسية التي تنطوي عليها الدعوة إلى هذا الحوار وبالوقائع التي يُطلب من المقاومة التسليم بها مسبقًا.

ما يُراد عمليًا هو أن تتعامل المقاومة مع الاحتلال "الإسرائيلي" لبعض الأراضي والنقاط اللبنانية باعتباره "أمرًا واقعًا" نابعًا من حاجة أمنية "إسرائيلية"، على النحو الذي يقدمه الخطاب الرسمي "الإسرائيلي"، وأن يصبح البحث لاحقًا في كيفية إدارة هذا الواقع لا في أصل مشروعيته أو ضرورة إنهائه. وبذلك تنتقل المسألة من كونها احتلالًا لأراضٍ يفترض أن يكون الانسحاب منها نقطة البداية، إلى كونها مشكلة أمنية تفاوضية ترتبط بحزمة من المطالب المتبادلة، وفي مقدمتها سلاح المقاومة ودورها.

وفي المقابل، يقدّم الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم تصورًا معاكسًا يقوم على أن التراجع أمام "إسرائيل" لا يؤدي إلى تخفيف الضغوط، بل يشجعها على توسيعها، وأن الصمود، رغم كلفته، هو الذي يضع حدودًا لاندفاع المشروع "الإسرائيلي". ومن هذا المنطلق قال إن "أي تراجع أمام العدو سيؤدي إلى إبادتنا"، وإن الصمود مهما بلغت تكلفته يمكن أن يوقف اندفاعة العدو ويهيئ لاستعادة الموقع والقدرة لاحقًا.

وتخلص القراءة إلى أن جوهر الصراع الدائر لا يتعلق فقط بنقطة عسكرية أو بجولة تفاوضية، بل بمحاولة تحديد القاعدة التي ستحكم المرحلة المقبلة: هل يكون الاحتلال والعدوان "الإسرائيليان" هما نقطة البداية التي تستوجب الإزالة، أم يتحولان إلى واقع ثابت يُطلب من لبنان والمقاومة التكيف معه؟ ومن هنا تبدو المواجهة سياسية بقدر ما هي ميدانية لحماية ما تبقى من عناصر القوة والردع في لبنان.