تكشف الضجة التي أثارتها حلقة «الوليمة» شيئًا أكبر من الحلقة نفسها. تكشف مقدار الفراغ في الساحة الإعلامية اللبنانية، ومقدار استعداد جزء من المجتمع لتحويل أي مشهد عابر إلى قضية عامة، فيما تمر قضايا أكثر أهمية من دون نقاش يوازي حجمها.

كيف يمكن لحلقة جديدة، قدمت نمطًا مختلفًا، أن تستحوذ على كل هذا الاهتمام؟ لا تكمن المشكلة في أن الحلقة نوقشت، فأي تجربة إعلامية جديدة تحتاج إلى النقد والمراجعة. تظهر المشكلة في طبيعة النقاش، وفي السرعة التي انتقل فيها من الفكرة والمحاور والمواقف إلى الطعام، ومن مضمون ما قاله الضيوف إلى ما أكلوه وكيف أكلوه.

قدم عدد قليل من الزملاء ملاحظات مهنية مهمة وجيدة، ناقشوا من خلالها الإعداد وإدارة الحوار وبنائه. لكن المساحة الأكبر من السجال ذهبت لمراقبة الصحون والسخرية من الضيوف. وهنا تكشف الحلقة عن قدرة هائلة على صناعة الضجيج حول التفاصيل، وعجز واضح عن بناء نقاش حول الأفكار.

جوهر المسألة يعود إلى أصل الفكرة التي حدثني عنها الصديق علي هاشم؛ إذ لم يكن الطعام مقصودًا لذاته، بل كان يفترض بكل طبق أن يكون مدخلًا لفكرة. فالكبة النيئة تحيل إلى تراث جبل عامل وتاريخه في مواجهة الاحتلال والظلم والصمود، والط الطعام الإيراني يعكس عقل السياسة الإيرانية طويل النفس، بينما يحيل الهامبرغر إلى نموذج السياسة الأميركية الوافدة ذات الوعود السريعة والنتائج المدمرة.

حصل خلل في التنفيذ، فطغى الطعام في بعض اللحظات على رمزيته، ولم تظهر الصلة بالوضوح المطلوب. غير أن تحويل الحلقة إلى قضية قائمة على الصحون واللقم يكشف مشكلة أعمق تتمثل في نقص القضايا الحقيقية، وتمدد التفاصيل لملء الفراغ الإعلامي حيث تصبح السخرية بديلًا عن التفكير.

وفي سياق متصل، شرفنا الصديق الدكتور حسن أحمديان في لبنان كثيرًا، ويكشف حجم الهجوم عليه مقدار تأثيره الكبير، في مقابل من يستغلون الحوار وهم أبعد ما يكونون عنه، ليتهم امتلكوا شيئًا من فكره العلمي والموضوعي.

لا تحتاج «الوليمة» إلى إعفائها من النقد المهني الصحيح، لكن الساحة الإعلامية تحتاج إلى استعادة قدرتها على التمييز بين القضية والتفصيل، وبين النقد والسخرية.