في تاريخ الصحافة اللبنانية، لم تكن العلاقة بين الكلمة والسلطة سهلة يومًا. ففي العهد العثماني، ورغم صدور قانون للمطبوعات نظّم عمل الصحافة، بقيت الكلمة محاصرة بقيود واسعة، وكان "المكتوبجي" يراقب ما يُنشر ويمارس الحذف والتعديل والإلغاء. واليوم، وبعد أكثر من قرن، تقف الصحافة أمام قانون إعلام جديد أقرّه مجلس النواب بعد عقود من العمل بتشريع قديم، وسط مفارقة تمثلت في انتقال الدولة من التساهل المطلق إلى التشدد المطلق في العقوبات وصولًا إلى مواد تتيح سجن الصحافيين.

أبو حمدان: أربع سنوات في الأدراج

يرى عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب رامي أبو حمدان أن تنظيم الإعلام أمر مطلوب لغاية حماية حرية التعبير وتمكين الناس من إيصال صوتهم، رافضًا بشكل قاطع "سياسة كمّ الأفواه". وفي حديث لموقع "العهد" الإخباري، أشار أبو حمدان إلى أن القانون الجديد لم يُطرح مرة واحدة خلال أربع سنوات في لجنة الإعلام والاتصالات، متسائلًا عن توقيت إقراره في ظل الظروف القاسية التي يمر بها لبنان، ولا سيما الاعتداءات المستمرة في الجنوب. وحذر من أن النصوص الفضفاضة في القانون، وخصوصًا المادة 104، تمنح القاضي حرية مطلقة وتفتح الباب أمام الاستنسابية، معلنًا توجه رئيس لجنة الإعلام والاتصالات النائب إبراهيم الموسوي لتقديم اقتراح قانون يتضمن التعديلات اللازمة لإعادة الأمور إلى نصابها.

القصيفي: حذف السجن والتوقيف الاحتياطي وحماية وحدة الجسم الصحافي

من موقعه النقابي،سجّل نقيب محرري الصحافة اللبنانية جوزف القصيفي جملة تحفظات، مطالبًا بحذف كلمات "الحبس" و"السجن" و"التوقيف الاحتياطي" من جميع النصوص، ولا سيما المادة 104، واستبدال عبارة "جرائم النشر" بـ"مخالفات النشر". كما حذر القصيفي من الفقرة "هـ" من المادة 115 المتعلقة بحق كل صحافي في إنشاء نقابة، معتبرًا أن ذلك يهدد بضرب وحدة الجسم الصحافي ونشر الفوضى. ووصف القصيفي ما جرى أثناء إقرار القانون بأنه "خديعة"، مؤكدًا أن النقابة ستلجأ إلى الطعن في حال لم تتم دراسة وتعديل النصوص بصيغة مرضية.

جبور: لا ضمانات من استنسابية السلطة

بدورها، أكدت نقيبة العاملين في الإعلام المرئي والمسموع رندلى جبور تأييدها لصدور قانون جديد يحدث التشريع القديم، إلا أنها سجلت ملاحظتين أساسيتين: الأولى تتعلق بالمادة 104 ومخاطر استخدام عنوان الأخبار المكذوبة للانتقام السياسي من الصحافيين، والثانية تتعلق بتشكيلة الهيئة الوطنية الناظمة التي تضم في غالبيتها قضاة ومحامين ومهندسين وليس إعلاميين. وحذرت جبور من تعارض القانون مع طبيعة لبنان المكرسة للحريات والدستور، مشددة على ضرورة ضمان ألا تتحول المحاسبة إلى أداة للانتقام.