ثمة علاقات لا يُظهر غيابها سكون الأيام، بل تكشفه لحظات الاضطراب. فلمّا اشتعلت نيران الإقليم في عام 2026، وامتد لهيبها من أجوائه إلى ممراته المائية، واخترقت نارها أسواق الطاقة وموائد الشعوب، برزت مفارقة لا يُغتفر السكوت عنها: كانت القاهرة في صلب الجهود الرامية إلى وقف الحرب على إيران، وتقريب وجهات النظر بين طهران وواشنطن، والبحث عن مخرج يقي المنطقة شر الهاوية، فيما ظلت علاقاتها الرسمية مع طهران محصورة في إطار "رعاية المصالح"!

لقد صار الاتصال الهاتفي بين وزيري الخارجية أكثر انتظاماً من حركة الملاحة الجوية بين العاصمتين، وصارت الوساطة المصرية أكثر عمقاً مما يوحي به مستوى التمثيل الدبلوماسي؛ كأن البلدين يتعاونان معاً على درء أخطار إقليم على وشك الانفجار، ومع ذلك لا يزالان عاجزين عن تنظيم علاقتهما الثنائية بالشكل الذي يليق بهما.

حين وصلت فاتورة الحرب إلى القاهرة، أثبتت أزمات عام 2026 أن الحرب على إيران لا تبقى داخل حدودها، وأن الصراع في الخليج لا يقف عند شواطئه. فقد باتت مصر واحدة من أكبر الخاسرين اقتصادياً رغم تجنبها دعم العدوان الأميركي على إيران، مما أثبت أن أمن مصر الاقتصادي ليس جزيرة منفصلة عن أمن الخليج.

وفي ذروة الخطر، تحركت القاهرة عبر اتصالات مكثفة ومسارات تفاوضية. ففي فبراير 2026، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان اتصالاً هاتفياً ناقشا فيه التصعيد العسكري الإقليمي. وفي يونيو، أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي لنظيره الإيراني الأهمية الحاسمة لجهود خفض التوتر. كما فتحت المخابرات المصرية قناة خلفية مع الحرس الثوري الإيراني واقترحت هدنة لخمسة أيام، ولعبت دوراً محورياً في الرباعية التي ضمت باكستان والسعودية وتركيا.

وفي المقابل، تتخذ مصر موقفاً حذراً تجاه الدور الإيراني الإقليمي معتبرة إياه تهديداً محتملاً لمصالحها، نافية مراراً وجود قرار بتبادل السفراء. ومن جهتها، ترى طهران في مصر قوة إقليمية كبرى، وتؤكد أن قرارها مستقل. وقد شهدت السنوات الأخيرة أكثر من 15 لقاءً على مستوى وزيري الخارجية، إضافة إلى تأسيس لجنة مشتركة للتشاور السياسي، ووصول التقارب بين رؤى البلدين حول الملفات الإقليمية إلى نحو 70%.

إن الطريق إلى تجاوز إرث القطيعة لا يتطلب سوى إرادة سياسية واضحة لرفع مستوى التمثيل الدبلوماسي، وإطلاق حوار إستراتيجي دائم، ووضع وثيقة مبادئ تضبط العلاقة على أساس السيادة وعدم التدخل، وتحويل الروابط الاقتصادية والثقافية إلى ركائز متينة لشراكة حقيقية تخدم استقرار المنطقة.