في مشهد إقليمي يشهد تحولات كبرى، برزت في الأسابيع الأخيرة موجة تصعيد غير مسبوقة بين إسرائيل وتركيا، تجاوزت حدود السجال السياسي إلى عمليات عسكرية مباشرة على الأراضي السورية، وسط تساؤلات جادة حول ما إذا كانت تل أبيب تسعى فعليًا إلى رسم ملامح خصم استراتيجي جديد يحل محل إيران في قاموس أعدائها. غير أن الوقائع الميدانية والقراءات الاستخباراتية تكشف أن الصورة أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه، فبين خطاب التهديدات الإسرائيلية المتصاعد، والتحذيرات الأمنية الداخلية من مغبة الانزلاق إلى مواجهة غير محسوبة، ثم التصريحات المتناقضة التي تسعى إلى احتواء التوتر، تتشكل معادلة إقليمية جديدة تحمل في طياتها قدرًا كبيرًا من الغموض والتناقض.

لم تعد تركيا في الخطاب الإسرائيلي مجرد قوة إقليمية تختلف معها إسرائيل حول النفوذ والمصالح، وإنما تتقدم تدريجيًا إلى موقع الخصم الذي يجري تقديمه للرأي العام بوصفه تهديدًا استراتيجيًا متصاعدًا. فمنذ الحرب على إيران، أخذ هذا التصور يتسع داخل الأوساط السياسية والأمنية الإسرائيلية، حتى ظهرت مقولة "تركيا هي إيران الجديدة"، في إشارة إلى انتقال أنقرة من خانة المنافس إلى خانة الخطر الذي يستوجب المواجهة.

بدأت القصة ميدانيًا عندما استهدفت إسرائيل مطار أبو الظهور العسكري شمال غربي سوريا بغارات جوية، قالت إسرائيل إنها جاءت لمنع تغيير في الوضع على خلفية معلومات عن نية تركيا توسيع حضورها العسكري. لكن أنقرة نفت وجود قوات أو بعثة عسكرية لها في المطار، مؤكدة أن تعاونها مع دمشق يندرج في إطار دعم قدرات الدولة السورية. اللافت أن الولايات المتحدة شككت في المبررات الإسرائيلية، حيث وصف المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا والعراق، توم براك، الهجوم بأنه "استفزاز متعمد".

وتشير المعطيات بقوة إلى أن ما يجري يتجاوز الحسابات الاستراتيجية إلى لعبة سياسية داخلية مرتبطة باقتراب الانتخابات الإسرائيلية، حيث يبحث رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن طوق نجاة سياسي في ظل تراجع شعبية حزبه عبر تحويل تركيا إلى عدو جديد، وهو ما رفضته أنقرة وواصفة هذه السياسة بـ"الرخيصة". وفي المقابل، حذرت جهات في المنظومة الأمنية الإسرائيلية والمعارضة من أن هذا التصعيد قد يجر العلاقات إلى أزمة غير ضرورية، لتتأرجح تل أبيب بين الرغبة في التصعيد الانتخابي والخوف من تداعياته الاستراتيجية الباهظة.