يكاد لا يمر خطاب لرئيس الجمهورية جوزاف عون دون أن يترك وراءه موجة من الجدل والانتقاد، فكثرة التصريحات وتعدّد المقاربات باتا سمة ملازمة لأدائه السياسي. ومنذ تولّيه رئاسة الجمهورية في كانون الثاني 2025، لم يتوقّف عون عن إطلاق المواقف والتعهّدات والخطابات، لترتفع التساؤلات عما تحقّق على أرض الواقع.

ويرى متابعون أن المعادلة أسفرت عن مزيد من الخنوع والتنازل أمام العدو، ما أدى إلى مزيد من التصعيد والتهجير والتدمير والقتل الإسرائيلي، دون أن تنجح التنازلات في حماية لبنان أو وقف الاعتداءات. ولعلّ أحدث وجوه هذه المقاربة ظهر في خطاب عون الأخير حول العلاقة مع إسرائيل، حيث اعتبر أن "أفضل حل للمشاكل الموجودة يقوم على الدبلوماسية"، معلناً: "نحن دعاة سلام ومصممون على إنهاء حالة العداء مع إسرائيل، وعلى أفضل العلاقات مع الجوار".

وتثير هذه التصريحات إشكالية دستورية وسياسية حول ما إذا كان الرئيس يتحدث باسم الدولة بكل مؤسساتها ومكوناتها، وحق الشعب اللبناني في مساءلة هذا المسار الذي يتجاوز وقف الحرب إلى إنهاء حالة العداء وإعادة تعريف العلاقة مع عدو تاريخي.

وبالعودة إلى المرجعية الدستورية، يبرز اتفاق الطائف الذي أقرّ وثيقة الوفاق الوطني، حيث أفرد بنداً كاملاً بعنوان "تحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي" ونص على العمل لتنفيذ القرار 425 وسائر قرارات مجلس الأمن. كما أن البيانات الوزارية المتعاقبة منذ عام 2005، وصولاً إلى صيغ 2008 و2009 و2019، كرّست حق لبنان في مقاومة الاحتلال والدفاع عن أرضه بالوسائل المشروعة.

ويشير النقد الموجه إلى أداء العهد الحالي إلى خوض محطات تفاوضية مباشرة ورفع مستوى التمثيل إلى المستوى السياسي، دون أن تؤدي الدبلوماسية إلى وقف العدوان أو إلزام إسرائيل بالانسحاب، بل زادتها تمسكاً بشروطها وقسوتها. ويخلص المتابعون إلى أن الانتقال في الخطاب الرسمي من استخدام تعبير "الاحتلال الإسرائيلي" و"مقاومة الاحتلال" إلى الحديث عن "إنهاء حالة العداء" يمثل تحولاً سياسياً كبيراً يرفضه الشعب اللبناني الذي يرفض اختزال عقود الدم والاحتلال في لغة دبلوماسية ناعمة.